«مخ بشري داخل فأر».. تجربة أمريكية تفتح آفاقًا جديدة لعلاج أمراض الدماغ
في تجربة علمية تثير اهتمام الأوساط البحثية والطبية، تمكن فريق من الباحثين في الولايات المتحدة من زراعة أنسجة من المخ البشري داخل أدمغة فئران، مع ربطها بالشبكات العصبية للقوارض، في محاولة لدراسة الأمراض العصبية واختبار علاجات وأدوية جديدة في بيئة حية تحاكي ظروف جسم الإنسان.
ويقول الباحث سيرجيو باسكا، المتخصص في طب الأعصاب بجامعة ستانفورد الأمريكية، إن هذه الفئران الهجينة توفر فرصة بحثية غير مسبوقة لدراسة عدد من الأمراض المرتبطة بالنمو غير الطبيعي للمخ، ومن بينها الشلل الدماغي، فضلًا عن اختبار فعالية بعض الأدوية.
وأوضح باسكا، في تصريحات نقلها موقع «نيتشر» المتخصص في الأبحاث العلمية، أن التجربة تتيح للعلماء دراسة خلايا المخ البشري داخل بيئة حية، بما يساعد على فهم الخصائص التي تميز المخ البشري وآليات الإصابة بالعديد من الأمراض العصبية.
ورغم الجدل الأخلاقي الذي قد تثيره زراعة أنسجة بشرية داخل الحيوانات، أكد الباحثون اتخاذ عدد من الإجراءات الاحترازية قبل إجراء التجربة، إلى جانب خضوع البحث لرقابة لجان متخصصة في أخلاقيات الأبحاث البيولوجية.
وشدد باسكا على أن الهدف من التجربة لا يتمثل في إنتاج فئران تتمتع بقدرات عقلية خارقة، وإنما دراسة الخلايا العصبية البشرية في بيئة حية تسمح بفهم أفضل لطريقة عمل الجهاز العصبي والأمراض التي تصيبه.
وتعود التجارب الأولى للفريق إلى عام 2022، عندما نجح الباحثون في زراعة أنسجة من المخ البشري داخل أدمغة فئران حديثة الولادة، بما سمح للخلايا العصبية البشرية بالتواصل مع المسارات العصبية في أجسام القوارض. وبعد عامين، استخدم الفريق هذه المنظومة لدراسة استجابة الفئران لبعض الأدوية المستخدمة في أبحاث علاج «متلازمة تيموثي»، وهي اضطراب وراثي نادر يرتبط بالتوحد وبعض أنواع الصرع.
لكن التجربة الجديدة اختلفت عن المحاولات السابقة، إذ استخدم الباحثون فئرانًا معدلة وراثيًا تفتقر إلى الخلايا السلفية التي تتحول خلال النمو إلى خلايا القشرة الدماغية، ما أتاح مساحة أكبر أمام الأنسجة البشرية المزروعة للنمو داخل المخ.
وأوضح جيورجيو كوادراتو، الباحث في علم الأعصاب المعرفي التنموي بجامعة جنوب كاليفورنيا، أن القشرة الدماغية تمثل الجزء الخارجي من المخ، وترتبط بعدد من الوظائف المعرفية المهمة، مثل التفكير المعقد والذاكرة.
وأظهرت نتائج التجربة أن الأنسجة البشرية المزروعة نمت بصورة ملحوظة داخل أدمغة الفئران الصغيرة، إذ زاد حجمها نحو خمسة أضعاف خلال فترة تراوحت بين شهرين وثلاثة أشهر، لتشغل أكثر من 90% من المساحة التي أتاحها الباحثون لها، كما امتدت منها تفرعات عصبية واتصلت بالحبل الشوكي للفئران.
وأشار باسكا إلى أن الأنسجة البشرية المزروعة تطورت أيضًا إلى خلايا عصبية متخصصة تعرف باسم خلايا «فون إيكونومو»، وهي خلايا ترتبط بالتواصل الاجتماعي والوظائف المعرفية لدى الإنسان وبعض الحيوانات. ولم يتمكن العلماء من استزراع هذا النوع من الخلايا المتخصصة داخل المختبرات بالسهولة نفسها من قبل.
ويرتبط هذا النوع من الخلايا، وفقًا لما أشار إليه الباحثون، بعدد من الاضطرابات التنكسية العصبية، ومن بينها الخرف الجبهي الصدغي، وهو ما قد يجعل التجربة الجديدة أداة مهمة لدراسة هذه الأمراض.
وللتحقق من إمكانية استخدام النموذج الجديد في دراسة الأمراض البشرية، عرّض الباحثون الفئران التي تحمل الأنسجة البشرية لظروف تحفز حدوث إصابات مشابهة لتلك المرتبطة بالشلل الدماغي، ومنها نقص الأكسجين.
وأظهرت النتائج أن الفئران التي تحمل الأنسجة البشرية تعرضت لاضطرابات في الوظائف الحركية، بصورة تشبه بعض الأعراض التي تظهر لدى المصابين بالشلل الدماغي، وهو ما يشير إلى إمكانية استخدام هذه النماذج مستقبلًا في دراسة آليات المرض واختبار علاجات محتملة.
وفي المقابل، تثير مثل هذه التجارب تساؤلات أخلاقية حول إمكانية ظهور خصائص بشرية لدى الحيوانات الهجينة. وقالت سارة تشان، المتخصصة في أخلاقيات الأبحاث البيولوجية بجامعة إدنبرة البريطانية، إن الكائنات الخيمرية، التي تضم أنسجة ذات أصول مختلفة، تُستخدم في الأبحاث العلمية منذ عقود، إلا أن المخاوف تزداد عندما يتعلق الأمر بإمكانية اكتساب الحيوانات صفات معرفية بشرية.
لكن كوادراتو يرى أن احتمال تحول هذه الفئران إلى كائنات واعية بالمعنى البشري لا يمثل مصدر قلق في هذه التجربة، مشيرًا إلى الاختلاف الكبير بين الجدول الزمني لنضج الخلايا العصبية لدى الإنسان والفأر، فضلًا عن الفوارق البيولوجية بين النوعين.
ومع استمرار الجدل العلمي والأخلاقي حول هذا النوع من الأبحاث، يرى باسكا أن دراسة الأنسجة البشرية داخل نماذج حية قد تفتح المجال أمام تطوير علاجات جديدة لأمراض عصبية لا تزال وسائل علاجها محدودة، مؤكدًا أن الهدف الأساسي من هذه التجارب هو الوصول إلى فهم أعمق لأمراض المخ وتطوير وسائل علاجية جديدة.

-1.jpg)




